الخطيب الشربيني

561

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الجنان : افتح له ففتح فدخلها فرأى ما فيها » . أَمِينٍ أي : بليغ الأمانة على الوحي الذي يجيء به . وقيل : الرسول هو محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فالمعنى حينئذ : ذي قوة على تبليغ الوحي مُطاعٍ أي : يطيعه من أطاع الله تعالى . [ سورة التكوير ( 81 ) : الآيات 22 إلى 29 ] وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ( 22 ) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ( 23 ) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ( 24 ) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 25 ) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ( 26 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 27 ) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 29 ) وَما صاحِبُكُمْ أي : الذي طالت صحبته لكم ، وأنتم تعلمون أنه في غاية الكمال حتى أنه ليس له وصف عندكم إلا الأمين ، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم وهذا عطف على أنه إلى آخر المقسم عليه . وأغرق في النفي فقال تعالى : بِمَجْنُونٍ أي : كما زعمتم يتهم في قوله : بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ [ الصافات : 37 ] فما القرآن الذي يتلوه عليكم قول مجنون ، ولا قول متوسط في العقل بل قول أعقل العقلاء وأكمل الكمل . تنبيه : استدلّ بذلك بعضهم على فضل جبريل عليه السلام على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، حيث عدّ فضائل جبريل عليه السلام واقتصر على نفي الجنون عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وهو كما قال البيضاوي : ضعيف ؛ إذ المقصود منه نفي قولهم إنما يعلمه بشر ، وقولهم افترى على الله كذبا ، وقولهم أم به جنة لا تعديد فضله والموازنة بينهما . وَلَقَدْ رَآهُ أي : رأى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم جبريل عليه السلام على صورته التي خلق عليها ، وله ستمائة جناح . بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ أي : البين ، وهو الأفق الأعلى الذي عند سدرة المنتهى حيث لا يكون لبس أصلا ، ولا يكون للشيطان على ذلك المكان سبيل فعرفه حق المعرفة . وقال مجاهد وقتادة : بالأفق الأعلى من ناحية المشرق . وعن ابن عباس « أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام : « إني أحب أن أراك على صورتك التي تكون فيها في السماء » قال : لن تقوى على ذلك ، قال : « بلى » . قال : فأين تشاء أن أتخيل لك ، قال : « بالأبطح » . قال : لا يسعني ، قال : « فبمنى » . قال : لا تسعني . قال : « فبعرفات » . قال ذلك بالحري أن يسعني ، فواعده فخرج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم للوقت ، فإذا هو بجبريل قد أقبل من جبل عرفات بخشخشة وكلكلة قد ملأ ما بين المشرق والمغرب ، ورأسه في السماء ورجلاه في الأرض ، فلما رآه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم خرّ مغشيا عليه ، قال : فتحوّل جبريل عن صورته فضمه إلى صدره ، وقال : يا محمد لا تخف فكيف لو رأيت إسرافيل ، ورأسه تحت العرش ورجلاه في التخوم السابعة ، وإنّ العرش لعلى كاهله ، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع - يعني : العصفور - حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته . وقيل : إنّ محمدا صلى اللّه عليه وسلم رأى ربه عز وجل بالأفق المبين ، وهو قول ابن مسعود وقد مرّ ذلك في سورة النجم . وَما أي : وسمعه ورآه والحال أنه ما هُوَ أي : محمد صلى اللّه عليه وسلم عَلَى الْغَيْبِ أي : ما غاب من الوحي وخبر السماء ، ورؤية جبريل وغير ذلك مما أخبر به . وقرأ بِضَنِينٍ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء المشالة من الظنة ، وهي التهمة ، أي : فليس بمتهم ، والباقون بالضاد موافقة للمرسوم من الضن وهو البخل ، أي : فليس ببخيل بالوحي فيزوي بعضه ، أو يسأل تعليمه فلا يعلمه